مجمع البحوث الاسلامية

623

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الفرق بينهما ، لاحظ « ك س ب » . والمناسب في معاني باب « الافتعال » في « اتّبع » معنيان : المطاوعة ، مثل : جمعته فاجتمع ، والمبالغة ، مثل : كسب واكتسب ، أي بالغ في الكسب . والمطاوعة حسن في ما كان هناك أمر أو طلب أو هوى أو شهوة تستدعي التّابع فينفعل بها فيطاوعها . وهذا هو اللّائق بمثل : « اتّبع الهدى » و « اتّبع الهوى » ؛ حيث إنّ الهدى ممّا يتطلّبه العقل والرّحمان ، والهوى ممّا تتطلّبه النّفس والشّيطان ، وهذا المعنى هو الغالب في مواطن الأمر والنّهي ، والتّرغيب والتّرهيب . وفي بعض الآيات ملامح من المبالغة ، مثل : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ آل عمران : 7 ، أي لهم اهتمام بالغ باتّباع ما تشابه من القرآن ، والإعراض عن المحكمات . ونحو : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا البقرة : 170 ، أي نبالغ في اتّباع طريقة الآباء تعصّبا ، ومثلها كثير . ويبدو أنّ المبالغة فيها نشأت من مناسبة الحكم والموضوع ومن سياق الكلام ، لا من لفظ « اتّبع » . وفي خلال الآيات ما جاء « اتّبع » بمعنى القفو بدون اللّحوق ، مثل : قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً الكهف : 66 ، أي ألازمك وأقفو أثرك ، فلاحظ . ونحن نفضّل القول : إنّ « اتّبع » جاء في الآيات بمعنى واحد وهو المطاوعة ، وأنّ غيرها من المعاني كاللّحوق والمبالغة - لو وجد - فهو مفهوم من سياق الكلام ، لا من صيغة « اتّبع » . ثالثا : الفرق بين الاتّباع والطّاعة : هو أنّ الطّاعة موقوفة على الأمر والنّهي ، وليس كذلك الاتّباع ؛ إذ يأتي كثيرا في غير مورد سبق الأمر والنّهي ، كما سترى في الجدول الآتي . وهناك آيات جاء الاتّباع فيها مقابل العصيان ، مثل : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إبراهيم : 36 ، ومثل : وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ هود : 59 . وقد أتت الطّاعة عطفا على الاتّباع : وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي طه : 90 . وقد جاء الاتّباع مقابل الكراهة : اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ محمّد : 28 . ومن خلالها تستشفّ العلاقة بين الاتّباع وبين الطّاعة والعصيان والكراهة ونحوها ، كالانقياد والامتثال ، فهما تابعان للأمر والنّهي كالطّاعة تماما ، بخلاف الاتّباع . رابعا : جاء في النّصوص ذيل : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . . . التّوبة : 100 ، بحث طويل حول « التّابعين » من هم ؟ فخصّهم بعض بمن أدرك صحابيّا وأخذ عنه . وهذا هو الباعث عند علماء الحديث بإرداف « التّابعين » للصّحابة ، فشاع بينهم التّعبير بالصّحابة والتّابعين ، فقسّموا « التّابعين » إلى الصّغار والكبار ، كما فعلوا ذلك في الصّحابة . وعمّمهم الآخرون إلى كلّ من لحق بالصّحابة واتّبعهم إلى يوم القيامة ، وهذا هو الظّاهر من سياق الآية . وممّا ذكر لهم من الأجر وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ . . . التّوبة : 100 ، فإنّها لا تختصّ بهؤلاء